
لست معنيا بمنع و لا بالترخيص لقمة الشباب الدولي لجماعة الإخوان المسلمين؛ فلا أنا مطلع على أسباب المنع و لا بأسباب الترخيص…
ما أعرفه أن هذا النظام يعد أكثر الأنظمة السياسية الموريتانية حنوا و تفهما و استقبالا للإخوان المسلمين في موريتانيا. فقد آوى رموزهم السياسيين و عمّى على مؤسساتهم الاقتصادية الريعية، في أقسى الظروف عليهم. و إذا كانت السلطات منعت الترخيص لمؤتمر قمة للشباب الإخواني أو مؤتمر عام للإخوان تحت غطاء قمة للشباب ، فليس ذلك، برأيي، إلا اضطرارا في وجه ضغوط دولية؛ كما أن ما صدر من ردود فعل متشنجة من قبل قيادات في شباب الإخوان فليس إلا دخانا مدمعا لرفع العتب الدولي عن النظام الذي لا يغيب عن هذا الشباب حجم العلاقة التي تربط كبراءهم به، سواء في “غلاف” الأغلبية، أو في ” تخوم ” المعارضة. إذن منع النظام لانعقاد قمة للشباب الدولي للإخوان المسلمين هو شأن داخلي بين حلفاء يدركون أسبابه و موانعه الحقيقية المفهومة لهم جميعا.
ما أثار فضولي هو ما يمكن أن يطلق عليه ” الذهان المشترك ” ،أو الجماعي، الذي يطبع سلوك و ردود أفعال هذه الجماعة. فالإخوان المسلمون، عموما، يعانون من وهم جماعي يرتبط بفكرة: أنه في مقدرتهم ارتكاب الأخطاء و الخطايا بل الجرائم بحق المجتمعات و الأنظمة السياسية و التنصل منها متى شاؤوا و كيف شاؤوا ، أو قدرتهم على إلغاء ذاكرات الناس و ما فيها من مخزونات المعلومات و الآلام و الفواجع و مشاعر الغضب التي تسببوا فيها للشعوب تبعا لحساب الربح و الخسارة السياسية بالنسبة للجماعة! فيكفي أن يقرر الإخوان مسح المعلومات من الذاكرة الجمعية للناس فتتعطل لديهم قدرة التذكر؛ فيحذفون منهم صور القتل و الدمار و أنهار الدموع و بحار الدماء في العراق و ليبيا و سوريا و السودان و اليمن… باسم الثورة ، و يعطلون فيهم قدرة التمييز، فيحملون ما يسمونه الثورة المضادة المسؤولية عن الحروب الأهلية و الفتن القبلية و المذهبية في أكثر من قطر عربي، كان الإخوان هم من أوقدها أو كانوا شركاء في إشعالها مع أمريكا و بريطانيا، أو مع حلف الناتو، في مسعاهم للوصول إلى السلطة في تلك الأقطار!
لقد اقترنت اليقظةالسياسية للجماعة بأمرين شكلا منطلقين نظريين متكاملين جدليا : حب المال و شهوة السلطة، و اسثنتهما من تعاليم الدين و مقتضيات الأخلاق. فالمال أداة للوصول إلى السلطة ، و السلطة وسيلة للإثراء المؤدي إلى السلطة. و ما عدا هذين” المبدأين” يحتمل النقاش و المرونة و حتى التنازل. إن المؤطر الإديولوجي، في إطار الانتماء للإخوان، لا يهتم كثيرا بالتثقيف قدرما يهتم اهتماما بالغا بكل ما يغني و يعمق و يوسع دائرة الأتباع أفقيا، خاصة في أوساط التجار و الطبقة الوسطى من المهندسين و الفنيين الذين يشكلون موارد مالية متنوعة و متعددة مضمونة، و غير مرهقين من الناحية الفكرية.
و في سبيل السيطرة على دائرة أتباع مغلقة، اهتم التنظيم الإخواني باحتكار سلاحين فتاكين بالمجتمع عموما و بنخبه العقلانية.
أما السلاح الأول فاستقطاب أغلبية المتسربين من المنظومات التربوية و التعليمية الرسمية الفاشلة في نوعية مخرجاتها.و أما السلاح الثاني فالاستحواذ على خريجي الكتاتتيب القرآنية و للعلوم الدينية في مختلف الأقطار العربية و كذلك المحاظر المووريتانية التي تخرج مجاميع بالآلاف المشبعين بالعاطفة الدينية المفتقرين إلى أدنى مستوى من روح الحداثة و التفكير العقلاني. في هذا السياق، فإن تسلل الإخوان داخل المجتمع العربي، الذي تشرب الإسلام نفسيا و وجدانا، لا يمكن الحد منه بمنع الترخيص لقمة شبابية أو لناد ثقافي تابع للإخوان ، و إنما بإصلاح المنظومات التربوية و التعليمية بالعلم الذي يخلق بيئة للتفكير العقلاني الذي يسمح لحملته بالقدرة على التمييز بين الدين كجوهر ، و الدين كمظهر، بين تأدية الواجب الديني، و تأدية الدعاية الإديولوجية بعباءة الدين! فالمسلم العقلاني لا يمكن استغفاله بأن في عالم السياسة كهنوتا يمنح الجنة و المال معا لأتباعه، حصرا( صلاح الدارين : الدنيا و الآخرة).
و المسلم الخرافي يخلط بين الدين و الدعاية بالدين، و يتوهم الموت في سبيل مظاهر الدين دون جوهر الدين، جهادا مقدسا، خير من حمر النعم…