حين يحلّ التكفير محلّ الحُجّة/ محمد المنير | موريويب

حين يحلّ التكفير محلّ الحُجّة/ محمد المنير

جمعة, 06/12/2026 - 17:30

تُعلّمنا تجارب الأمم في العقود الأخيرة درسًا بالغ القسوة وعظيم القيمة في آن واحد: فالتطرف العنيف لم ينبثق يومًا من فراغ، ولم يظهر فجأة كما تظهر العاصفة في سماء صافية، بل سبقته دائمًا مقدمات واضحة ومسارات معروفة. وفي كل مرة كان يبدأ من النقطة نفسها: من اعتياد خطاب يُلصق تهمة الكفر على الأشخاص، ويُخرجهم رمزيًا من دائرة الجماعة، ويجعل من إقصائهم أمرًا مألوفًا لا يثير الاستغراب.

وقد يبدو هذا الانزلاق في بداياته مجرد جدل فكري أو تشدد في التعبير، غير أنه في حقيقته يشكل التربة التي تنبت فيها بذور العنف. ذلك أن الإنسان حين يُوصم بالكفر ويُجرّد من شرعيته المعنوية داخل المجتمع، يكون ذلك ممهدا إلى نزع إنسانيته، ثم إلى تبرير الاعتداء عليه.

ولست أتحدث هنا من موقع المراقب البعيد أو المحلل النظري، بل من موقع الشاهد الذي رأى هذه التحولات بأم عينه. ففي سياق تجربتي المهنية خارج الوطن، عايشت ذلك المسار البطيء ولكنه الحتمي: بدأت المسألة بخطابات هامشية وأصوات معزولة تُكفّر مخالفيها، ثم ما لبث هذا الخطاب الإقصائي أن أخذ طريقه إلى التداول والاعتياد، حتى صار جزءًا من الخطاب العام. وبعد ذلك جاء ما هو أخطر؛ إذ وجد بعض الشباب الذين تشبعوا بهذه الثقافة أنفسهم يعبرون العتبة الفاصلة بين الكلمة والعنف، وبين الإقصاء الرمزي والإقصاء المادي.

ومن هذا المنطلق تحديدًا، ومن منطلق المسؤولية تجاه بلدي ومجتمعي، رأيت أن من واجبي أن أطلق ناقوس الإنذار. لا بدافع التهويل أو صناعة المخاوف، وإنما بدافع اليقظة والوضوح، وحتى لا نجد أنفسنا نسير في طريق سبق أن سلكته مجتمعات أخرى قبل أن تدفع ثمنه باهظًا.

لقد استمعت، كما استمع غيري، إلى تسجيلات صوتية متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لا يتردد أصحابها في إطلاق أحكام التكفير على أشخاص بعينهم، وفي إخراجهم من دائرة الإيمان، بما يكشف عن تنامي ظاهرة مقلقة يمكن وصفها بأنها نوع من «شرطة الفكر»، يمارسها أفراد نصبوا أنفسهم أوصياء على العقائد، ومنحوا أنفسهم سلطة الحكم على الناس وتصنيفهم وإدانتهم باسم تصور خاص يقدمونه باعتباره الإسلام الصحيح والوحيد.

إن الخطاب الذي يعتبر الدفاع عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو التمسك بمبادئه ضربًا من ضروب الكفر، يثير إشكالات دينية وسياسية واجتماعية عميقة. فالأمر لم يعد يتعلق بخلاف فكري مشروع أو باختلاف في الرؤى والاجتهادات، بل أصبح منطقًا إقصائيًا يحوّل النقاش المجتمعي إلى مواجهة وجودية بين «مؤمنين» و«كافرين».

وفي نظر أصحاب هذا الخطاب، لا يبقى مجال للتدرج أو التمييز أو الاختلاف؛ فالتكفير يصبح الجواب الجاهز على كل رأي مخالف. ومن لا يشاركهم تصوراتهم يُدرج تلقائيًا في خانة الكفر. وعندما يُقدَّم الدفاع عن حقوق الإنسان باعتباره خروجًا من الدين، فإننا نغادر ميدان الأفكار إلى ميدان الإدانة الأخلاقية والدينية، ونغلق أبواب الحوار العقلاني لنفتح الطريق أمام أشكال مختلفة من النبذ والإقصاء، وربما أمام ما هو أخطر من ذلك.

وليس من الصعب تلمس النتائج المباشرة لهذا المنطق. فكل نقاش يتعلق بالحريات العامة أو حقوق المرأة أو العدالة الاجتماعية أو قضايا الحكم الرشيد يصبح موضع شبهة. وكل دعوة إلى الاستفادة من التجارب الإنسانية المشتركة تُواجه بالاتهام والتخوين. وهكذا يضيق أفق النقاش العام، ويُصاب المجال الفكري بالجمود، وتفقد الحياة العامة إحدى أهم أدوات تطورها وتجددها.

خيانة لتراث الإسلام الفكري

إن اختزال الإسلام في قراءة واحدة جامدة، واعتبار كل اجتهاد أو مقاربة مختلفة خروجًا عليه، يمثل في حد ذاته ظلمًا لتاريخ الإسلام الفكري وحضارته الواسعة. فقد عرفت الأمة الإسلامية، عبر قرون طويلة، مدارس متعددة ومقاربات متنوعة لقضايا العدل والحقوق وتنظيم المجتمع والعلاقة بين النص والواقع.

ولم يكن هذا التنوع مصدر ضعف، بل كان أحد أسباب حيوية الحضارة الإسلامية وقدرتها على التفاعل مع المتغيرات. ولذلك فإن تصوير المواثيق القانونية المعاصرة وكأنها نقيض للدين أو خصم له، لا يعبر عن ثراء التراث الإسلامي بقدر ما يعكس رغبة في اختزاله داخل فهم ضيق ومغلق.

إن هؤلاء الذين يقدمون أنفسهم حراسًا للعقيدة لا يدافعون عن الإسلام بقدر ما يضيّقون آفاقه، ويحرمونه من إحدى أهم خصائصه التاريخية: القدرة على الاجتهاد والتفاعل واستيعاب تعقيدات الواقع.

كما أن استعمال مفهوم الكفر ليس مسألة نظرية مجردة أو لعبة لغوية بريئة. فالتاريخ يخبرنا بأن هذا الوصف كان، في أحيان كثيرة، مقدمة للإقصاء الاجتماعي والتشهير والاضطهاد، بل وللعنف أحيانًا. ولهذا فإن إطلاقه دون ضوابط أو مسؤولية ليس أمرًا يمكن التساهل معه أو التعامل معه بخفة.

ويضاف إلى ذلك تناقض واضح يقع فيه أصحاب هذا الخطاب. فهم يعيشون داخل دول حديثة تقوم على مؤسسات وقوانين وإدارات وأنظمة قانونية معاصرة، ويستفيدون من الحريات التي تكفلها هذه المنظومات، ثم يستخدمون تلك الحريات نفسها في مهاجمة الأسس التي أتاحت لهم التعبير عن آرائهم.

إرهاب فكري يتسلل إلى الحياة العامة

إن أخطر ما في الأمر أن هذا النمط من التفكير بدأ يتحول، شيئًا فشيئًا، إلى شكل من أشكال الإرهاب الفكري الذي يتسلل إلى الحياة العامة ويتطبع داخلها. وتقود هذا المسار أقلية نشطة تستثمر فضاءات التواصل الاجتماعي لإطلاق الأحكام والفتاوى في كل اتجاه، ولتقديم نفسها بوصفها المرجعية الوحيدة المخولة بالحديث باسم الدين.

وخلف هذا الخطاب تكمن رؤية إقصائية لا تقبل التعدد ولا تعترف بشرعية الاختلاف. ولو كُتب لها أن تسود، فإنها لن تنتج إلا مجتمعًا منغلقًا، تُكمم فيه الأفواه، وتُحاصر فيه العقول، ويُنظر فيه إلى كل اجتهاد أو تجديد باعتباره تهديدًا ينبغي القضاء عليه.

وتقوم استراتيجية هذا التيار على احتكار الحديث باسم المقدسات، وعلى تخوين كل رأي بديل، وإضعاف الأصوات المعتدلة، وإغراق النقاش العام في ثنائيات حادة ومبسطة، بحيث يصبح المجتمع منقسمًا بين معسكرين متواجهين لا مكان بينهما للحوار أو التفاهم. ومن هنا فإن مقاومة هذا المنطق ليست خيارًا فكريًا فحسب، بل ضرورة وطنية ومجتمعية.

تعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات

وتزداد هذه الضرورة إلحاحًا بالنظر إلى البيئة الإقليمية التي نعيش فيها. فموريتانيا ليست بمعزل عن محيطها، بل تقع في قلب فضاء يعاني منذ سنوات من اضطرابات أمنية وسياسية عميقة.

وعلى حدودنا وفي جوارنا القريب تنشط جماعات متطرفة تمكنت من توسيع نفوذها واستقطاب أعداد متزايدة من الأتباع. وقد شهدت دول عديدة في المنطقة كيف يمكن للخطابات المتشددة أن تمهد الطريق أمام العنف المسلح، وأن تستثمر مشاعر التهميش والإحباط والانقسامات الاجتماعية لتغذية مشاريعها.

لقد استطاعت موريتانيا، حتى الآن، أن تحافظ على قدر معتبر من الاستقرار. ولم يكن ذلك محض صدفة، بل ثمرة جهود متراكمة شاركت فيها الدولة والمجتمع والعلماء والنخب الفكرية.

وقد استند هذا النجاح إلى خصوصية التجربة الدينية الموريتانية القائمة على الاعتدال والتسامح والحوار، وهي خصائص رسخها علماؤنا الكبار عبر قرون طويلة من التعليم والإرشاد.

غير أن هذه المكتسبات ليست بمنأى عن التهديد إذا تُرك المجال مفتوحًا أمام الخطابات التي تستبدل هذا الإرث الأصيل بقراءات متشددة مستوردة، قائمة على الصدام والإقصاء. فالجبهة الداخلية لا تُحصَّن بالقوة وحدها، بل تُحصَّن كذلك بمتانة المؤسسات، وجودة النقاش العام، والثقة المتبادلة بين المواطنين، والشعور بالانتماء إلى مصير مشترك.

وحين يصبح التكفير أداة لإدارة الخلافات الفكرية والسياسية، فإن المجتمع يفقد إحدى أهم ركائز مناعته الداخلية. وعندها يجد دعاة التطرف بيئة مناسبة للتجنيد والاستقطاب، حيث يُقدَّم الاعتدال على أنه ضعف، ويُصوَّر الحوار على أنه تنازل، وتُطرح المواجهة بوصفها الحل الوحيد.

ومن ثم فإن التساهل مع هذه الخطابات لا يمثل خطرًا فكريًا فحسب، بل خطرًا استراتيجيًا يمس أمن البلاد واستقرارها ومستقبلها.

إن موريتانيا تستحق أفضل من ذلك. ويستحق شعبها وتراثها الروحي والفكري ومؤسساتها الوطنية أن تُصان من أولئك الذين يدّعون احتكار الحقيقة، ويحاولون تحويل الدين من فضاء جامع إلى أداة للفرقة والصراع.

ما الذي ندافع عنه؟ وما الذي نرفضه؟

ينبغي أن يكون موقفنا واضحًا لا لبس فيه. نعم، نتمسك بخصوصيتنا الحضارية والثقافية، ونرفض كل محاولة لطمسها أو تجاوزها. ونعم، نؤمن بأن حرية التعبير ليست حرية مطلقة منفلتة من كل ضابط، وأن احترام المقدسات يمثل قيمة أساسية ينبغي أن يحميها القانون. لكننا، في الوقت نفسه، نرفض أن يحتكر أي فرد أو جماعة حق الحديث باسم الدين أو المجتمع، ونرفض أن يتحول التكفير إلى أداة لإدارة الاختلاف، أو أن يُستخدم الدين لإقصاء المخالفين وإسكاتهم.

إننا بحاجة إلى مناقشة مشكلاتنا بهدوء وثقة ومسؤولية. بحاجة إلى حوار لا مكان فيه للمزايدات ولا للتخوين ولا للتكفير. فالخلاف مشروع، والنقد مشروع، والتنافس السياسي مشروع. أما النبذ والإقصاء وتجريد الناس من شرعيتهم الأخلاقية والدينية، فليس مشروعًا ولا مقبولًا. إن للأخلاق حدودًا، وللسياسة حدودًا، وللدين كذلك حدودًا تمنع تحويله إلى أداة في الصراعات اليومية.

وإذا كان من درس ينبغي أن نستخلصه من تجارب الآخرين، فهو أن الأوطان لا تُحمى بالكراهية، ولا تُبنى بالتكفير، ولا تُصان بإغلاق أبواب الحوار، بل تُبنى بالعقل والحكمة والعدل، وتُحمى بالتسامح والثقة والتماسك الوطني. فحين تحل الحجة محل التكفير، يربح الجميع. أما حين يحل التكفير محل الحجة، فإن المجتمع كله يكون هو الخاسر الأكبر.